مدونة شفق
«صباح الخير يا منتصف الليل»: حين حمل جورج كلوني صمت الأرض إلى الشاشة
من محطة إذاعية يغمرها الثلج إلى فيلم The Midnight Sky بإخراج جورج كلوني وبطولته: رحلة رواية عن العزلة والندم والحاجة إلى التواصل.

كانت ليلي بروكس دالتون تعمل في محطة إذاعية عامة بمدينة أمهيرست الأمريكية، حين استوقفتها مهمة شتوية متكررة: الخروج إلى الثلج وتنظيف الهوائيات كي يستمر البث. أحيانًا كان على الموظف أن يفعل ذلك طوال الليل. بقيت في خيالها صورة إنسان في مبنى خالٍ، يخرج إلى الظلام ليحافظ على إشارة تصل إلى آخرين.
من تلك الصورة اليومية بدأت بذرة «صباح الخير يا منتصف الليل»، كما روت في حديث إلى مجلة Publishers Weekly. وبعد صدور الرواية عام ٢٠١٦، وجدت حكايتها طريقًا إلى فيلم The Midnight Sky، الذي أخرجه جورج كلوني وأدى بطولته، قبل أن تصل الرواية إلى العربية عن دار شفق بترجمة محمد كحال.
رجل عند حافة الأرض، وامرأة عائدة من النجوم
في القطب الشمالي، يرفض عالم الفلك المسن أوغسطين مغادرة مركز الأبحاث بعد إخلائه. يمضي الرجل الذي كرّس حياته للسماء أيامه وسط صمت غامض، ثم يعثر على طفلة تُدعى آيريس. وفي الفضاء، تعود سولي ورفاقها على متن المركبة «إيثر» من مهمة قرب المشتري، ويحاولون الاتصال بالأرض. لا أحد يجيب.
تتناوب الرواية بين هذين المسارين، وفق ملخص الناشر الأصلي Random House، وتفتح المسافة بينهما على أسئلة شديدة القرب: ماذا فعلنا بحياتنا؟ من تركنا وراءنا؟ وما قيمة الوصول إلى أقاصي الكون حين يغيب من نخبره بما رأينا؟
تتقدم ذكريات الشخصيات مع الرحلة. العمل الذي استهلك العمر، والأسرة التي ابتعدت، والقرارات التي بدت ضرورية في وقتها، تعود جميعًا حين يتوقف العالم المألوف عن إرسال إشاراته.

نهاية عالم تُرى من الداخل
شرحت دالتون في مقابلتها مع Chicago Review of Books اهتمامها بالفراغات التي تتركها الكارثة وبالمراجعة النفسية التي تفرضها على الناجين. أرادت أن توسّع المنظور حتى يشمل الأرض من خارجها، مستلهمة تبدّل الوعي الذي يصفه رواد الفضاء عند النظر إلى الكوكب من بعيد.
ولبناء هذين المكانين، قرأت مذكرات رواد الفضاء وكتب الفلك وشهادات الباحثين والمستكشفين، واستعانت بالأفلام والصور. هكذا اكتسب الجليد والفضاء حضورهما الحسي، وصارا بيئتين تضغطان على الشخصيات وتكشفان حاجتها إلى الآخرين.
قد نقطع مسافات هائلة بحثًا عن اكتشاف، ثم نكتشف أن أكثر ما نحتاج إليه هو صوت يجيبنا.
تحية صباح في منتصف الليل
يحمل العنوان تاريخًا أدبيًا يسبق الرواية. فقد أوضحت الكاتبة في حوار مع مجلة Propeller أن العبارة تعود إلى قصيدة لإميلي ديكنسون، وأن جين ريس استخدمتها أيضًا عنوانًا لرواية أخرى. واختارت دالتون تصدير عملها باقتباس من ريس، تقديرًا لكتابتها عن الوحدة ومحاولات التواصل.
يمكن أن نقرأ هذه التحية الموجّهة إلى الليل بوصفها مفتاحًا للحكاية: محاولة مخاطبة العتمة، وانتظار استجابة من مكان يبدو غارقًا في الصمت. وقد لفتت الرواية الأنظار منذ بدايتها، فاختارتها Chicago Review of Books ضمن أفضل كتب السرد لعام ٢٠١٦. وكانت رواية دالتون الأولى، بعد مذكراتها Motorcycles I’ve Loved.

حين منحها كلوني حياة أخرى
تحوّلت الرواية إلى فيلم بسيناريو مارك إل. سميث، مع كلوني في دور أوغسطين وفيليسيتي جونز في دور سولي. وبدأ عرضه على نتفليكس في ٢٣ ديسمبر ٢٠٢٠. يضع الملخص الرسمي للفيلم محاولة تحذير الرواد من العودة إلى أرض أصابتها كارثة عالمية في قلب الرحلة.

تغيّرت بعض العناصر خلال صناعة الفيلم نفسها. فحين أعلنت جونز حملها، فكّر الفريق أولًا في إخفائه، ثم قرر إدخاله في شخصية سولي، وفق روايتها لكواليس التصوير في The Independent. وجاء هذا التفصيل ليضيف حضورًا ملموسًا للمستقبل إلى حكاية مثقلة بالخوف على مصير البشر.

ثم جاءت جائحة كورونا لتمنح موضوع العزلة صدى إضافيًا. قال كلوني في حديثه ضمن سلسلة BAFTA: A Life in Pictures إن التصوير انتهى في فبراير، وإنه تابع مرحلة ما بعد الإنتاج من منزله. ومع امتداد العزلة، ازدادت وضوحًا لديه أهمية التواصل واللقاء الإنساني. وفي العام التالي ترشّح الفيلم لأوسكار المؤثرات البصرية.
ما الذي يبقى للقارئ بعد الفيلم؟
وصفت دالتون انتقال قصتها إلى الشاشة، في شهادة نشرها موقع كليتها السابقة، بأنه منحها حياة ثانية وكيانًا فنيًا خاصًا. ومن هنا تأتي متعة العودة إلى الرواية: الاقتراب من ذاكرة أوغسطين وسولي، وتتبع الأفكار التي تستدعيها الرحلة، وتأمل الثمن الشخصي للاختيارات القديمة.
فوراء المركبة والمرصد وسؤال النجاة، تقترح الحكاية سؤالًا يستمر بعد إغلاق الكتاب: حين ننادي، إلى من نريد أن يصل صوتنا؟