الذكاء الاصطناعي داخل دار النشر: كيف نحافظ على الثقة؟
الصورة: Vladyslav Bahara / Unsplash
بقلم د. ساجد العبدلي
قد يحتاج إعداد نبذة لكتاب إلى قراءة وتأمل ومحاولات متعددة حتى تستقر العبارة التي تليق به. واليوم تستطيع أداة أن تقترح عشر نبذات في ثوانٍ. هذا فرق يستوقف أي ناشر يعمل تحت ضغط الوقت والكلفة. ثم تبدأ الأسئلة التي تهمني أكثر: من قرأ المقترحات؟ من قارنها بالكتاب؟ ومن تحمّل مسؤولية العبارة التي وصلت إلى القارئ؟
أفكر في الذكاء الاصطناعي داخل دار النشر من هذه النقطة. فالسرعة مغرية، خصوصًا حين تتراكم المخطوطات والمراسلات وأعمال التسويق. وكل مهمة تختصر وقتًا تفتح احتمالًا مفيدًا، بشرط أن نعرف ما الذي اختُصر معها وما الذي بقي محتاجًا إلى انتباهنا.
في مسح نشرته BookNet Canada ومجموعة دراسة صناعة الكتاب في سبتمبر ٢٠٢٦، شمل ٧٧١ مهنيًا في الولايات المتحدة وكندا، ارتفع الاستخدام المؤسسي المبلّغ عنه للذكاء الاصطناعي من ٤٨٪ في نتائج ٢٠٢٥ إلى ٦٣٪ في نتائج ٢٠٢٦، فيما انخفض الاستخدام الفردي من ٤٦٪ إلى ٣٨٪. تصف الأرقام المشاركين في المسح، وتحتاج المقارنة إلى مراعاة اختلاف العينات. وهي تدعونا إلى التفكير في المسافة بين قرار المؤسسة وموقف الأفراد العاملين فيها.
وفي تحقيق نشرته مجلة «وايرد» في ٩ أكتوبر ٢٠٢٦، عرض عاملون في دور نشر كبرى مخاوفهم من بعض الاستخدامات وطريقة إدخالها إلى العمل، مع ردود مؤسسية عن الضوابط. تعتمد جوانب من التحقيق على شهادات مجهّلة، لذلك أتعامل معه بوصفه نافذة على أسئلة مهنية تستحق النقاش.
أول هذه الأسئلة عندي يتعلق بالمخطوط. يسلّم المؤلف نصًا قد أمضى سنوات في كتابته، ويأتمن الدار على عمل لم يصل بعد إلى الجمهور. وقبل إدخال النص في أي خدمة خارجية، ينبغي أن تكون لدينا إجابة واضحة عن شروط استخدامها، وما تحتفظ به، ومن يستطيع الوصول إليه، وما تسمح به الاتفاقات مع صاحب العمل. وهذه مراجعة تحتاج فهم الأداة والعقد معًا.
ثم يأتي السؤال عن طبيعة المهمة. هناك فرق في مقدار المسؤولية بين ترتيب جدول للإصدارات، واقتراح عنوان لإعلان، وإعادة صياغة فقرة من رواية، وإعداد ترجمة كاملة. كلما اقترب الاستخدام من صوت المؤلف ومعنى النص، ازدادت الحاجة إلى مراجعة دقيقة وإلى اتفاق واضح مع الأطراف المعنية.
في الترجمة، مثلًا، قد تبدو الجملة العربية سليمة وجميلة، بينما تكون قد أسقطت تردد الشخصية أو سخريتها أو علاقة دقيقة بما سبق. الطلاقة الظاهرة قد تجعل الخطأ أقل لفتًا للانتباه. ولهذا تظل المقارنة بالأصل، وقراءة السياق، والحكم التحريري، أعمالًا تستحق وقتها.
الغلاف يحمل اسم الدار، والقارئ سيحاسبها على الكتاب الذي بين يديه.
ويهمني هنا موقع المحرر والمترجم والمصمم. هؤلاء يعرفون المواضع التي تستهلك وقتًا دون أن تضيف قيمة، ويعرفون كذلك المواضع التي يضرها الاختصار. إشراكهم في اختيار الاستخدامات يمنح التجربة معرفة عملية، ويتيح لهم مناقشة ما قد يحدث لمهامهم ومعايير تقييمهم. ومن حق الفريق أن يفهم الغرض من الأداة وما الذي يُنتظر منه بعدها.
أفضّل أن تبدأ الدار بتجربة محدودة يمكن فحصها. نختار مهمة، ونحدد معيار جودتها، ونسجل الوقت الذي استغرقه إنجازها ومراجعتها وتصحيحها. ثم نقارن النتيجة بالطريقة المعتادة. فالدقائق التي توفرها المسودة الأولى قد تتبعها ساعات من التحقق، وقد تمنحنا في مهمة أخرى توفيرًا حقيقيًا يستحق التوسع.
وتحتاج التجربة إلى قواعد قصيرة يفهمها الجميع: ما الأدوات المعتمدة؟ ما المواد المسموح بإدخالها؟ من يراجع المخرجات ويجيز استخدامها؟ ومتى نخبر المؤلف أو المترجم أو القارئ بطبيعة المساهمة الآلية؟ وضوح هذه الإجابات يخفف الاجتهادات الفردية ويجعل المسؤولية قابلة للتحديد.
أما الإفصاح، فأراه مرتبطًا بمدى تأثير الاستخدام في العمل وتوقعات من نتعامل معهم. مراجعة جدول داخلي تختلف عن إنتاج جزء مؤثر من النص أو الترجمة أو الرسم. وكلما كان الاستخدام مما قد يغيّر قرار المؤلف بالتعاون، أو فهم القارئ لطبيعة الكتاب، ازدادت أهمية إيضاحه مسبقًا.
وأعود إلى السؤال عن الوقت الذي وفرناه. هل منح المحرر فرصة لقراءة أعمق؟ هل أتاح للمترجم مراجعة إضافية؟ هل حسّن وصف الكتاب ووصوله إلى قارئه؟ هذه نتائج أجدها جديرة بالقياس، إلى جانب عدد المهام المنجزة.
تقوم دار النشر على سلسلة من الثقة: مؤلف يأتمنها على صوته، ومهني يضع خبرته في العمل، وقارئ يختار كتابًا يحمل اسمها. وستتغير الأدوات التي تمر بها الصفحات، وتبقى هذه العلاقة محتاجة إلى رعاية.
كلما ازدادت قدرة الأدوات، ازدادت حاجتنا إلى أن نعرف من يراجع، ومن يقرر، ومن يتحمّل المسؤولية.